في بلادي تمتاز الصباحات بالرتابة المملة ، والروتينية الخانقة
فأنت تستيقظ صباحًا لأنه يجب عليك أن تستيقظ ، و تتناول الإفطار لأنه يفترض بك هذا
ننسى دائمًا أن نتعلم ونعلم أبنائنا كيف نستمتع بكل شيء ، حتى بالأشياء المتعبة و المنهكة
منذ زمن وأنا أرتاد أحد المقاهي أحتسي فيه كوب قهوتي كمحاولة لخلق صباح مختلف ، أجمع دفاتري وقلمي وأذهب إلى هناك فيستقبلني العامل هناك بابتسامته المعتادة وتصبيحته المميزة
ثم ما ألبث دقائق إلا وقهوتي المفضلة أمامي على الطاولة ، كل مرة تأتيني القهوة بنفس النكهة التي أريد وبذات الطعم الذي لا يمل ، صديقي العامل لا يسألني عن قهوتي فزيارتان للمقهى كفيلة لأن يحفظ ما أحب وأنا متأكدة أن والدي بحاجة إلى خمس سنوات أو أكثر حتى يحفظ نوع القهوة التي أشرب (مفارقة مضحكة ) .
أحب في المقهى أنه باستطاعتك أن ترى لون آخر من الحياة ، الاصدقاء ، رجال الأعمال ، المنكسرين وحتى العابسين المتذمرين كلهم تجمعهم تلك الفاتنة “القهوة” . كلٌ منهم يحتسيها يحاول أن يخفي مع رشفاتها الحارة حكايا تضمها صدورهم .
أمرًا ما شد انتباهي وبشدة وجعلني أراقبه يوميًا : منذ أول مرة دخلت فيها مقهاي العزيز لمحت رجلاً يجلس على إحدى الطاولات يعطي الجميع ظهره ويحتسي قهوته ، لم أسمعه يومًا ينطق بحرف ،يرتشف قهوته ، يترك النقود على الطاولة ويخرج ، لم يعترض يومًا على شيء ، ولم يطلب زيادة شيء وأظن أن ذلك يعود لفطنة عامل المقهى الذي يعرف جيدًا كيف يرضي زبائنه
في أحد المرات ترك مبلغًا من المال على الطاولة ، وكان المبلغ اكثر من الحساب ، لحقه صديقي العامل ليعيد الباقي له فاكتفى برفع يده مشيرًا أن الباقي له ، حينها نطق أحد الموجودين هناك بسخرية مقززة : أنا واثق بأن ذاك الرجل أخرس ، أو أنه متكبر وهذا هو الشيء الأكيد .
إحدى صديقاتي هاجمتني مرة قائلة : لا أعلم لماذا تذهبين هناك مبكرًا ! في المرة المقبلة خذي مفاتيح المقهى وافتحيه أنت هكذا أفضل . كانت تحزن علي لأني أخرج مبكرًا جدًا للمقهى ، ماذا لو رأيت صديقتي هذا الرجل ، ماذا ستقول ؟ ستجزم بأنه هو من يفتح المقهى للعاملين فيه !
وراء ذاك الرجل حكايا ، قلبي الصغير دليلي ، وحدسي يؤكد لي كلامه
أظن بأن القدر سيكشفها يومًا من الأيام .









